الشيخ محمد رشيد رضا

96

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

تتبعوا سنته الحكيمة في طلب هذه الطيبات واستخراجها ، وفي استعمالها فيما خلقت لأجله ، وبالثناء عليه جل جلاله وعم نواله ، واعتقاد أن هذه الطيبات من فضله وإحسانه ، ليس لمن اتخذوا أندادا له تأثير فيها ، ولذلك قال إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ أي إن كنتم تخصونه بالعبادة ، وتؤمنون بانفراده بالسلطة والتدبير ، فاشكروا له خلق هذه النعم وإباحتها لكم ، ولا تجعلوا له أندادا تطلبون منهم الرزق أو ترجعون إليهم بالتحليل والتحريم ، فان ذلك له وحده ، وإلا كنتم مشركين به ، كافرين لنعمه ، كالذين من قبلكم جهلوا معنى عبادة اللّه تعالى فاتخذوا بينهم وبينه وسطاء في طلب الرزق ، ورؤساء يشرعون لهم من الدين ما لم يشرعه ، ويحلون لهم ويحرمون عليهم ما لم يشرعه لهم . ومن الشكر له تعالى استعمال القوى التي غذيت بتلك الطيبات في نفع أنفسكم وأمتكم وجنسكم . وليس من الطيبات ما يأخذه شيوخ الطريق من مريديهم بل هو من الخبائث والسحت الأستاذ الامام : لا يفهم هذه الآية حق فهمها الا من كان عارفا بتاريخ الملل عند ظهور الاسلام وقبله ، فان المشركين وأهل الكتاب كانوا فرقا وأصنافا ، منهم من حرم على نفسه أشياء معينة بأجناسها أو أصنافها كالبحيرة والسائبة عند العرب ، وكبعض الحيوانات عند غيرهم ، وكان المذهب الشائع في النصارى أن أقرب ما يتقرب به إلى اللّه تعالى تعذيب النفس واحتقارها وحرمانها من جميع الطيبات المستلذة ، واحتقار الجسد ولوازمه ، واعتقاد أن لا حياة للروح الا بذلك ، وأن اللّه تعالى لا يرضى منا الا احياء الروح . وكان الحرمان من الطيبات على أنواع منها ما هو خاص بالقديسين ، أو بالرهبان والقسيسين ، ومنها ما هو عام كأنواع الصوم الكثيرة كصوم العذراء وصوم القديسين ، وفي بعضها يحرمون اللحم والسمن دون السمك ، وفي بعضها يحرمون السمك واللبن والبيض أيضا . وكل هذه الأحكام والشرائع قد وضعها الرؤساء وليس لها أثر ينقل عن التوراة أو عن المسيح عليه السّلام ، وبذلك كانوا أندادا ، ونزل في شأنهم ( 9 : 31 اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ ) وتقدم بيان ذلك « 1 » وقد سرت

--> ( 1 ) وسيأتي تفصيل له في تفسير هذه الآية من سورة براءة ( التوبة )